أبحاث ومقالاتهام

اختزال الدين : بين صنمية الحرف وهشاشة الوجدان في نقد العقل المادي والتدين المعاصر…بقلم الشيخ عبد الصمد التجاني

 

ﺑﺴﻢ ﷲ اﻟﺮﺣﻤﻦ اﻟﺮﺣﯿﻢ، واﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم ﻋﻠﻰ ﺳﯿﺪﻧﺎ ﻣﺤﻤﺪ وﻋﻠﻰ آله وصحبه أﺟﻤﻌﯿﻦ.

إنّ المعضلة الكبرى التي تواجه العالم العربي المعاصر لا تكمن في أزماته السياسية أو الاقتصاديّة العابرة، بل في انحرافه المعرفي الشامل، المتمثل في تبني الرؤية المادية الكونية وذهول الإنسان المعاصر عن أصول الحضارة التقليدية) بالمعنى الميتافيزيقي للتقليد بوصفه وحياً إلهياً وأزلياً، لا مجرد عادات موروثة (. لقد تسرّب الوهم الحداثي إلى البنية الفكرية للأمة، ففقدت المجتمعات حقيقة الفهم لـ “العلم المقدس” وللوحي الإلهي، فتحول الدين من كونه محركًا للارتقاء الروحي والمعرفي إلى مجرد أيديولوجيا نفعية أو طقوس جوفاء. هذا السقوط في المادية أنتج عجزًا بنيويًا عن مقاربة التصوف الإسلامي مقاربة صارمة وعميقة، تليق بحقائقه العلوية وأسراره الذاتية التي تمثل لباب الشريعة وعين الحقيقة المطلقة. إن الأزمة في عمقها هي أزمة أفول حاسة الشهود وموت “وعي المقدس “في بعده الروحي الأكثر تعاليًا، حيث تم إفراغ الغيب من جلاله وتحويله إلى امتداد أفقي للمطامع البشرية الحِسيّة.

ويتجلى هذا الانحراف المعاصر في مظهرين متناقضين في الظاهر، لكنهما يصدران عن مشكاة واحدة من الجهل بالحقائق الإلهية ونسيان الأزل. وهنا يقف التحذير النبوي الشريف عيانًا صريحًا يشخص هذا التشتت المنهجي؛ فقد روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟«! إن هذا الحديث المتفق عليه ليس مجرد إخبار غيبي عن تقليد اجتماعي، بل هو تحذير من السقوط في “جحر الضب” الذي يمثل ضيق الأفق المعرفي وعقم المسالك التي سارت فيها الأمم السابقة. فاليهود والنصارى في منظور أهل التحقيق يمثلان الانحرافين النمطيين اللذين يهددان أي دين: انحراف المضمون وانحراف الشكل.

المظهر الأول، الذي يمثل السنن اليهودي في الانحراف، هو الحرفية الجامدة والظاهرية الجافة، التي تختزل الدين في شبكة من العقائد الصورية والأحكام الفقهية الصارمة، دون نفاذ إلى أسرار الشريعة ومقاصدها الروحية، هذا المنزع بالأحكام الفقهية الظاهرية يظن أن النجاة في تسييج المظاهر وهندسة السلوك الخارجي، في حين أنه يطمس أصل عين اليقين التي نزلت لتصفية القلوب وتحقيق الفناء عن الأغيار، محولًا الشريعة النورانية إلى نصوص ميتة وأغلال ظاهرية صنمية.

أما المظهر الثاني، وهو النقيض المقابل الذي يمثل السنن النصراني، فهو التدين الوجداني السطحي، الذي يتمسح بالروحانية والسيولة العاطفية لكنه يشارك الجمود الحرفي قحطه المعرفي، ويتجلى في الأشكال الشعبوية من العبادة والتعلق بالخرافات، حيث تغلب العاطفة الإنسانية الساذجة والمظاهر الاحتفالية على الحقائق العرفانية العليا والعلم اللدني. إن هذا التدين العاطفي حوّل السلوك الروحي إلى ملجأ نفسي مريح ولهو وجداني ، غابت عنها المجاهدة الصارمة وحلّت محلها رقة المشاعر الزائفة التي لا تطلب إلا حظوظ النفس.

وهنا تكمن الوهدة السحيقة، إن هذا الدفق الاستهلاكي من العواطف الدينية ليس روحانية حقيقية، بل هو مجرد “نفسانية مقنعة”، فالروحانية في لسان أهل التحقيق هي خروج عن مرادات النفس وفناء عن حظوظها، بينما هذا التعبد العاطفي هو تغذية للأنا وبحث عن الأمان النفسي البارد، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى رهن العبادة بانتظار “مكافآت مادية” في الدار الآخرة؛ حيث يتم تصوير الجنة والنظر إلى الأبدية لا باعتبارها مقام شهود الذات الإلهية والقرب الأقدس، بل كأنها امتداد للملذّات الحِسيّة والاستهلاك الطيني الأرضي. إن رجاء “البراديس المادية” في الآخرة، إذا ما تجرد عن شوق الروح إلى بارئها وفناء العبد في ربه، لا ينتج روحانية حقيقية، بل يظل حبيس النفعية والمقايضة التجريدية، حيث يُعبد الحق سبحانه من أجل نِعمه لا من أجل ذاته، وهو ما يتنافى مع تذوق العارفين الذين يبتغون وجهه الكريم متعالين عن الكونين.

إن عجز العقل العربي المعاصر عن فهم “العلم المقدس” يعود إلى تبنيه اللاواعي لنموذج المعرفة الغربي المعزول عن السماء. الوحي الإلهي في منظور أهل التحقيق ليس مجرد نصوص تاريخية تُحاكَم بأدوات النقد المادي، بل هو حق متصل بالأزل، والقرآن الكريم يقرر هذا الارتباط العضوي بين العلم والتقوى في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

فالعلم الحقيقي ليس مراكمة للمعلومات والبيانات الكونية، بل هو النور الملقى في القلب لشهود الحقائق على ما هي عليه والتحقق بمقام العبودية الذاتية. وحين تخلت المجتمعات عن هذا المعيار، سقطت في وهم أن التقدم التقني هو معيار الحضارة، مضحية بـ “العلوم الحقيقية” الباقية لصالح “العلوم الجزئية والمادية” الزائلة.

وبناءً على هذا، فإن المقاربة الصوفية المعاصرة تحتاج إلى مراجعة تامة وهدم للمفاهيم الدخيلة والسيولة السلوكية. إن التصوف في حقيقته المعرفية ليس علمًا عاطفيًا، ولا ملجأً للمحبطين، ولا دروشة تخرج العبد عن حد التكليف والشريعة، بل هو “علم التحقيق” وصارم الصدق في السلوك، وهو يتطلب من السالك انضباطًا عقليًا وذهنيًا يقطع دابر الأوهام الخيالية والتخيلات النفسانية. لقد كان السلف من الصوفية، كالإمام الجنيد، يقولون: «طريقتنا هذه مشبوكة بأصول الكتاب والسنة»، ما يعني أن الشريعة هي الجسد وأن الحقيقة هي الروح، ولا قيام للروح دون جسد يحملها، كما لا حياة للجسد إذا فارقته الروح.

إن نقد هذا التشتت المعاصر بين الجمود القانوني والسيولة الخرافية، والتحذير من رهن الدين بحظوظ النفس في الدنيا والآخرة، هو الخطوة الأولى والضرورية لاستعادة مركزية الوحي وفهم أسرار الوجود، ليعود الدين منهجًا متعاليًا يربط العبد بربه في غاية وجودية تتجاوز وعثاء المادة وحدود الزمن الكوني، عودًا إلى رحاب المقدس المعرفي الطاهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى