“حجاب الرئاسة وطريق الجنيد “….بقلم الشيخ عبد الصمد التجاني شيخ صوفية ايطاليا

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يكثر في زماننا هذا الانتسابُ إلى «طريق الجنيد»، لا بمعنى السلسلة التلقينية المباشرة التي تصل صاحبها بشخص الإمام أبي القاسم الجنيد البغدادي – قدّس الله سرّه -، فتلك مسألةٌ لها شأنٌ آخر، وإنما بمعنى أعمّ وأشيع: تبنّي منهجه في السلوك، أعني جمعه بين صحو المعرفة وسلامة الشريعة، وهو المنهج الذي اتّخذته طرائق كثيرةٌ من طرق هذا العصر شعارًا لها ومرجعًا، حتى صار يقال عن كل طريقة ملتزمة بالكتاب والسنة، متحفّظة مما ينسب إلى أهل الشطح من عبارات تقلق العوام وتريب الخواصّ، إنها على «طريق الجنيد» أو «مذهب الصحو»، ولا ريب أن هذا الانتساب، من حيث هو التزامٌ بجمع الجنيد بين المعرفة والشريعة، أمرٌ محمود، بل هو عين ما وصف به الجنيد نفسه إذ قال كلمته المشهورة: «مذهبنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة».
غير أن جمع الجنيد بين الصحو والشريعة لم يكن، في حقيقته، سوى الثمرة الظاهرة لعمل باطن أشقّ وأدقّ، هو مجاهدة النفس الأمّارة حتى تُستأصل منها جميعُ حظوظها، وفي مقدمتها ما قد يكون أعسرها استئصالًا: حبّ الرئاسة. وقد يُلاحَظ أن هذا الشقّ من المنهج الجنيدي – وهو الأصعب والأخطر – لا يحظى دوما بما يحظى به الشقّ الأول من عناية، فيغلب أحيانًا الاجتهاد في تقرير العقيدة وضبط الظاهر على الاجتهاد في تجريد القلب من التعلّق بالظهور وتصدّر المجالس وتعظيم الأتباع. وليس هذا حكمًا على أحد بعينه، بل هو مما تجدر مراجعه جماعيًا كلما تكاثر الانتساب إلى منهج اشتهر أصلًا باستقامته.
ولعلّ خير ما يُستحضر في هذا المقام ما فعله الجنيد نفسه بمريده أبي بكر الشبلي – رضي الله عنه – حين طلب منه أن يُدخله في صحبته. جاء في «تذكرة الأولياء» لفريد الدين العطار النيسابوري أن الشبلي أتى الجنيد فقال له: «يذكرون أنٌ عندك جوهر المعرفة، فإما أن تهبه لي أو تبيعه.» فقال له الجنيد: «لو بعته إياك لم يكن عندك ثمنه، ولو وهبته لك لهان عليك ولم تعرف قدره؛ فاطلبه كما يطلب الغوّاص الدرًة: بأن تُلقي برأسك في هذا البحر.» فأمره أن يبيع الكبريت سنةً كاملة. فلما انقضت، قال له: «قد حصل لك في هذه الحرفة شيء من الشهرة، فلا فائدة فيها؛ فاذهب فاستجد سنةً أخرى حتى تبلغ الذلّ.» فاستجدى الشبلي ببغداد حولا كاملا فما أعطاه أحدٌ شيئًا. فلما رجع قال له الجنيد: «الآن عرفت قدرك عند الخلق؛ فلا تُعلق قلبك بهم بعد اليوم.» ثم سأله: «كم كنت واليًا؟» – وكان الشبلي قبل توبته واليًا على دماوند – فقال: «اذهب إلى ولايتك تلك واستحلّ كلّ مَن كان له عليك حقّ أو وليت عليه أمرًا.» ففعل، حتى استحلّ أهلَ تلك البلاد بيتًا بيتًا، وتصدّق بمال كثير إرضاءً لمن لم يجده. فلما عاد، قال له الجنيد: «لا يزال منك شيء من رائحة النفس؛ فاستجد سنةً أخرى.» ففعل، وكان كلّ ما يجمعه يحمله إلى الجنيد فيوزّعه على الفقراء ويترك الشبلي جائعًا ليله. حتى إذا تمّت السنة، سأله: «يا أبا بكر، ما حال نفسك الآن عندك؟» فقال: «أرى نفسي أقلّ خلق الله.» فقال له الجنيد: «الآن صحّ إيمانك»، وقبله في صحبته وشهد له بالرجولة الروحية.
ولا يظننّ ظانٌ أن هذه الرياضة إنما هي تأديبً أخلاقيّ أو تمرين نفسيّ على التواضع فحسب؛ بل هي، في حقيقتها، مقدّمة لتحقيق أصل إلهي هو غاية الطريق كلها: أن الحجاب الأعظم بين العبد وربّه إنما هو «الأنانية»، الإحساس بوجود مستقلّ للنفس، وأن هذا الحجاب لا يزول ببرهان عقلي، بل بذوق وحال، حين يفنى العبد عن رؤية نفسه فيبقى بالله لا بنفسه. فحبّ الرئاسة، من هذا المنظر، ليس رذيلة خُلقية عارضة، بل هو أوضح مظاهر بقاء الأنانية في القلب: إذ صاحبه لايزال يرى لنفسه وجودًا يستحقّ أن يُقدّم على غيره وأن يُطاع. وما دام هذا الإحساس باقيًا، فإن دعوى الفناء والتوحيد تبقى، عند التحقيق، دعوى لسان لا ذوق حال. يُلاحظ في هذه القصة أن الجنيد لم يسأل الشبلي عن حفظه للحديث، ولا عن براعته في الجدل، ولا عن سعة أتباعه، بل سأله عن حال نفسه، ولم يقبله حتى شهد بلسانه أنه أقلّ الخلق. وهذا وحده كاف ليكون معيارًا يُقاس به مدى صدق كل انتساب إلى هذا المنهج: فالسنّة الظاهرة، وإن كانت شرطًا لا يُتجاوَز، ليست غاية الطريق، وإنما هي الباب الذي لا يفتح إلا بمفتاح التجريد من حظ النفس، وأوّل ذلك وأخطره حبّ الرئاسة، الذي قال فيه بعض السلف إنه «آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين».
وهل تستحل فحري بكل من ينتسب إلى هذا المنهج المبارك – أفرادا وجماعات – أن يتساءل: هل تجوهد القلوب التي عليها ولاية من نوع ما، كما استحلّ الشبلي أهل دماوند؟ فما صحّت طريقة قطّ إلا بما صحّت به طريقة الجنيد: أن يرى صاحبها نفسه، بعد كل علم وكل مقام، أقلّ من كلّ ما سواه.
وليس القصد من هذه الكلمات هدم مقامات المشيخة ولا الطعن في أهلها، معاذ الله؛ وإنما هو تذكيرٌ فقط، بأن صحّة الانتساب إلى منهج الصحو والسنة لا تكتمل بدعوى العقيدة وضبط الظاهر وحدهما، بل تحتاج معهما إلى تجديد عهد التربية الحقيقية: صحبة تُذيب الأنانية، ورياضة تكسر حظّ النفس من التصدّر، وتزكية تُعيد للقلب صفاءه الأول حتى يصلح لتلقّي الحقائق الإلهية التي هي مقصود الطريق الأسمى.
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل



