أبحاث ومقالاتهام

“رينيه غينون”وتجديد لغة المعرفة الروحية….بقلم الدكتور فيديريكو سالفادجو الباحث في اللغة العربية والترجمة واللسانيات – جامعة ترييستي

 

 

لا تقتصر أهمية رينيه غينون (1886‎–‎1951)، المعروف في العالم الإسلامي باسم الشيخ عبد الواحد يحيى، على نقده للحضارة الحديثة أو عرضه للمذاهب الروحية الشرقية؛ فقد اضطلع بعمل آخر لا يقل عنهما شأنًا، هو مراجعة اللغة التي تُعرض بها المعارف ولتعالم الروحية التي تناقلتها البشرية عبر العصور، وتصحيح المفاهيم التي تبدّلت دلالتها بتأثير الفكر الحديث.

وتكتسب هذه المهمة اليوم أهمية خاصة في العالم المعاصر، سواء في العالم الإسلامي أوغيره. ذلك أن كثيرًا من الالتباسات التي تعوق فهم المعارف ولتعالم الروحية المتناقلة في مختلف المذاهب الدينية لا تنشأ من النصوص نفسها، بل من الأدوات الفكرية والمصطلحات التي نقرؤها ونفسّرها بها.

انطلق غينون من ملاحظة أساسية: ليست الحداثة مجرد مرحلة تاريخية يميّزها التقدم العلمي والتكنولوجي، بل هي أيضًا عقلية تقوم على حصر المعرفة في حدود العقل الاستدلالي والتجربة الحسية، مع استبعاد كل ما يتجاوز نطاق المرتبتين الفردية والمادية.

وقد انعكس هذا التحول على اللغة نفسها. ففي اللغات الغربية الحديثة، كالفرنسية، اكتسبت كلمات مثل «intellect» و«esprit» و«métaphysique» معاني أضيق وأكثر محدودية، لم تعد تطابق ما كانت تحمله في التعاليم الروحية الأصلية.

ولهذا سعى غينون إلى إعادة تعريف هذه المفاهيم، لا باختراع مصطلحات اعتباطية، بل بالرجوع إلى المعاني التي تعبّر عنها في مختلف المذاهب الروحية للإنسانية،فلم يكن مشروعه إذن مجرد تصحيح لغوي، بل محاولة لتصحيح الفكر من خلال تصحيح المصطلح.

العقل الأعلى والعقل الأدنى تخلط اللغة الحديثة بين «intellect» و«raison» وتعاملهما معاملة المترادفين، وقد أعاد غينون إلى هذين المفهومين ما بينهما من تمييز جوهري. ف«intellect» هو العقل الأعلى الذي يتعلق بالإدراك المباشر للحقائق الروحية، وهو إدراك لا يمكن ردّه إلى مجرد الاستنتاج المنطقي. أما كلمة «raison» تشير إلى العقل الأدنى، أي العقل الاستدلالي، الذي يعمل من خلال التصوّرات النظرية والمقدّمات والاستنتاجات المنطقية والعقلانية، ويتحرّك ضمن حدود المعرفة الفردية.

ولا يعني هذا التمييز رفض العقل أو الحطّ من شأن العلوم العقلانية، بل الإقرار بمراتب المعرفة، من غير أن تُتخذ إحداها مقياسًا لسائرها، وبعبارة أخرى، لا سبيل إلى التحقق بالحقائق الروحية تحققًا فعليًا عن طريق ملكة الإنسان الاستدلالية، بل لا بد من تفعيل قدرته على الإدراك الروحي المباشر بواسطة عقله الأعلى.

الروح والنفس ومن التمييزات الأساسية الأخرى عند غينون التمييز بين «esprit» و«âme»، وهما لفظان تخلط بينهما اللغة الحديثة.

فـ«esprit» يدل في الأصل على الروح، وهي متربة تتجاوز المرتبة الفردية، أما «âme»، أي النفس، فتتعلق بالمجال النفساني والوظائف الفردية.

وقد ساعد الخلط بين هاتين المرتبتين على تفسير التجارب الروحية بوصفها ظواهر نفسية، وعلى سوء فهم التصوف مجرد كأحوال وجدانية ومظاهر عاطفية ولا شك أن للنفس وأحوالها مكانة أساسية في التربية الصوفية، لكن المعرفة الروحية لا تنحصر في هذا المجال. والتمييز بين الروح والنفس يتيح فهم الفرق بين التزكية النفسية والتحقق المعرفي الذي يتجاوز حدود المرتبة الفردية.

استعمل غينون مصطلح «Tradition»، ولعله المصطلح المحوري في مؤلفاته كلها، للدلالة على مجموع المعارف وتعاليم ذات الأصل الإلهي أو غير البشري، وعلى وسائل نقلها وتطبيقها وتحقيقها. وقد أعاد هذا المصطلح إلى معناه الاشتقاقي، أي «ما يُنقل»، من الفعل اللاتيني «tradere»، قاصدًا به مجموع التعاليم الروحية التي تلقتها الإنسانية بالوحي أو الكشف واكتفت بنقلها عبر تاريخها، دون أن تكون من صنعها.

وهذا المعنى أوسع من المعنى الضيق الذي اتخذته كلمة «religion» في بعض الاستعمالات الغربية الحديثة، حيث قُصرت على العقائد والأخلاق والشعائر، واستُبعد منها بُعد التحقق بالحقائق الروحية العليا. ومن ثم فإن «Tradition» أقرب بكثير إلى لفظ «الدين» في العربية من «religion»، إذ إن الدين، بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، يحمل معنى أوسع بكثير مما تحمله «religion» في الغرب؛ فهو يشمل العقيدة والشريعة والسلوك الروحي والمعرفة وتحقق الحقائق الروحية، ويعبّر عن علاقة الإنسان بالحق في مختلف مراتب وجوده.

وينطبق الأمر نفسه على مصطلح «métaphysique»، الذي لا يعني عند غينون ما يُفهم منه في الغرب من نظر فلسفي تأملي في» ما وراء الطبيعة» فحسب، بل المعرفة المباشرة بالأصول والحقائق الروحية وبما يتجاوز حدود العالم المخلوق، أي »ما وراء الكون بأسره». ويجد هذا المعنى مقابلًا له في التصوف الإسلامي، ولا سيما في علم الحقيقة وفي المعرفة بالله.

 

ويساعدنا تصحيح المصطلحات هذا أيضًا على فهم العلاقة بين « «ésotérisme وأي «exotérisme» البعد الباطني والبعد الظاهري للدين، فالباطن ليس مذهبًا منافسًا للشريعة، ولا طريقًا يسوّغ تجاوز أحكامها، بل هو تعميق لمعانيها وتحقيق لمقاصدها الروحية، من هنا تبرز أهمية التمييز بين المعرفة النظرية والتحقّق الروحي، فالسير الروحي لا يقوم على المشاعر الفردية وحدها، بل يستند إلى أصول وضوابط ووسائل تربية متصلة بالنهج.

أسهمت المصطلحات التي وضعها غينون في تكوين لغة جديدة لعرض مختلف المذاهب الروحية باللغات الأوروبية، وقد أفاد منها باحثون مثل أناندا كوماراسوامي (Ananda Coomaraswamy) وميشيل فالسان (Michel Vâlsan)، لا سيما في الدراسات المخصصة لتعاليم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي. واليوم لا يسع المترجم العربي الذي ينقل مؤلفات التراث الإسلامي والصوفي خصة من العربية إلى اللغات الأوروبية إلا أن يتعامل مع هذا العمل الاصطلاحي والترجمي البالغ الأهمية، غير أن أهمية تأملات غينون في اللغة لا تقتصر على ترجمة التراث الإسلامي إلى اللغات الأوروبية.

فقد بات من الضروري أيضًا السير في الاتجاه المعاكس، أي إعادة النظر في تأثير اللغات الغربية في العربية وفي لغات المسلمين، ولا سيما ما انتقل منه عبر ترجمة المؤلفات الغربية، حتى لا يُعاد إدخال مفاهيم حديثة إلى العربية أو إلى لغات المسلمين المعاصرة عن طريق الاقتراض الدلالي، فتتغير المعاني الأصلية لمصطلحاتها الأساسية وتضيق في هذه اللغات أيضًا.
خاتمة في عالم تتسارع فيه الترجمة والتواصل بين الثقافات، تغدو الدقة الاصطلاحية مطلبًا فكريًا وروحيًا في آن واحد.

ومن خلال دراسة أعمال غينون، يستطيع الغرب والشرق أن يطوّرا لغة لتفاهم حقيقي وعميق ومتجدد، باستعادة القدرة على فهم اللغة الأصلية للتعاليم الروحية المنتشرة بين البشر في جميع أنحاء العالم، والمتوارثة عبر العصور أو الحفاظ عليها، والتمييز بين مستويات معانيها، وعرضها على الإنسان المعاصر دون تشويه أو اختزال.

وبهذا المعنى، يمكن لمشروع الشيخ عبد الواحد يحيى في تصحيح اللغة أن يكون منطلقًا لتجديد فهم الدين كله في أي صورة ظهر فيها: لا بتغيير مبادئه أوأصوله، بل بإزالة الالتباسات التي تراكمت على الألفاظ، حتى تعود اللغة أداة لتجلّي الحق، لا حجابًا يحجب عنه معرفة الحق.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى