أبحاث ومقالاتهام

“اختزال التصوف بين التزييف الأكاديمي والجمود الحرفي”….بقلم الشيخ عبد الصمد التجاني

شيخ صوفية ايطاليا

 

 

ﺑﺴﻢ ﷲ اﻟﺮﺣﻤﻦ اﻟﺮﺣﯿﻢ، واﻟﺼﻼة واﻟﺴﻼم ﻋﻠﻰ أشرف المرسلين ﺳﯿﺪﻧﺎ ﻣﺤﻤﺪ وﻋﻠﻰ آله وصحبه أجمعين.

 

إنّ أكبر ما يُهدد جوهر التصوف الإسلامي في العصر الراهن ليس الهجوم الخارجي المباشر الذي يستهدف اجتثاث جذوره من المنظومة العقدية للإسلام، بل هو “أزمة القراءة والتأويل” وعقم المقاربات التفكيكية المعاصرة التي تحاول جاهدةً إخراج هذا العلم الشريف عن إطاره التعبدي، وتجريده من لبابه الميتافيزيقي الأصيل. لقد غدا التصوف في العقود الأخيرة حقل تجاذب لتيارين متناقضين ظاهرياً، غير أنهما يلتقيان عند منزلق خطير يتمثل في العجز البنيوي عن إدراك الفارق الجوهري بين “علم الأذواق” القائم على الكشف والمجاهدة، وبين “علم الأوراق” القائم على النقل والجمع الصوري. يتمثل التيار الأول في العقلانية المادية والنزعة الاستشراقية الغربية، التي تختزل التصوف في مجرد “ظاهرة نفسية” أو “فلسفة بانتية مادية”، بينما يتمثل التيار الثاني في الظاهرية الجافة والحرفية المعاصرة، التي تعجز عن سبر أغوار الرمز الإشاري، فترمي أئمة العرفان بالشرق والحلول والمروق لمجرد صدور عبارة شاطحة عن وجد سحقي يغمر سالك الطريق.

 

 

تكمن الأزمة الأولى، والأكثر تعقيداً من الناحية المنهجية، في مساعي بعض الباحثين والمحدثين الذين تلقفوا مناهج الفلسفة الغربية الحديثة، لقراءة نصوص أكابر الصوفية – كالعارف بالله الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، والتلمساني، وابن سبعين – من منظور الفيلسوف باروخ سبينوزا أو الجدلية الهيجلية، إن هؤلاء الباحثين يجترون المفاهيم الغربية ويسقطونها تعسفاً على التراث الإسلامي، محولين التوحيد الصوفي الذوقي، المؤسس على تنزيه الحق سبحانه واستغراقه للكونية الإمكانية في شهود العبد، إلى “مذهب حلولي طبيعي” (Pantheism) يزعم واهماً أن العالم هو عين الذات الإلهية والعياذ بالله.

 

 

وهذا خلط معرفي فاضح وانحراف منهجي جسيم؛ فالعارف المحقق حين ينطق في لحظات وجده الصادق: “ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله أو فيه”، لا يقصد البتة أن المادة المخلوقة الكثيفة هي عين الذات الإلهية القديمة – تبارك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً – بل يشير إلى أن الأكوان ما هي إلا مرايا ومظاهر لفيوضات صفات الحق وأفعاله، وأنها لا تملك في حد ذاتها قياماً ولا وجوداً ذاتياً مستقلة،إن تحويل “وحدة الشهود” الروحية أو “وحدة الوجود المعرفية” من أفق السلوك القلبي إلى أفق المادية الإلحادية هو اغتيال معتمد لروح السلوك، ومسخ للمجاهدة الروحية الحية وعزل لها عن مسارها الإلهي لتغدو ترفاً فكرياً عقيماً.

وعلى الجانب المقابل، نجد هجوماً ضارياً يصدر عن انغلاق الففق الحرفي والسطحية.

 

 

لإبستمولوجية لدى حراس النصوص وظاهري العصر، هؤلاء يتعاملون مع لغة الإشارة الصوفية بآليات المنطق الصوري الأرسطي أو الفقه الحرفي الصارم. فحين يطرق أسماعهم مصطلح “الفناء”، يتبادر إلى أذهانهم المحدودة فناء المادة الكونية أو امتزاج الذوات؛ وحين يقرؤون عن “المشاهدة” أو “اللقاء”، يتخيلونها رؤية بصرية فيزيائية تحدها الجهات وتحصرها الأبعاد.

 

 

إن هذا التيار يتغاضى عمداً أو جهلاً عن كون لغة الصوفية “لغة اصطلاحية إشارية”، صِيغت بحروف اللسان للإشارة إلى معانٍ متعالية يتذوق أسرارها فقط من زاحم القوم في خلوات الذكر ومقامات التجرد. إن إصرار هذا التيار على إدانة أهل الحقيقة وتكفيرهم بمجرد المتشابه من العبارات التي تمليها ضائقة التعبير، دون رد الفروع إلى أصول التنزيه المطلق، يمثل أزمة معرفية حادة وفصاماً نكداً في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث تُحاكم التجربة الروحية النورانية بمعايير الحس الجاف والقياس الفقهي المحدود.

 

 

وبناءً على هذا الإستقطاب الحاد، فإن النقد البناء الذي ينبغي أن يتبناه الراسخون اليوم يتلخص في ضرورة “تطهير الساحة الصوفية” وحمايتها من جبهتين: الدخلاء وأدعياء التصوف الطرقي المزيف من جهة، ومن القراءات المؤدلجة المشوهة من جهة أخرى. ويقتضي هذا إعادة ربط التصوف جذرياً بالشريعة الغراء باعتبارها الأساس المتين والشرط العقدي الذي لا تصح حقيقة دونه، فالطريقة حبيسة الكتاب والسنة، وكل كشف أو ذوق يخالف صريح الوحي ومحكم التشريع هو باطل مردود. إن إنقاذ التصوف من مقصلة العلمنة الأكاديمية ومن مطارق التكفير الحرفي هو السبيل التاريخي الأوحد لإحياء مرتبة “الإحسان” في الأمة كمنهج حياة متكامل، لا كفلسفة متعالية ولا كطقوس جوفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى