أبحاث ومقالاتهام

“النور يولد في كل آن”…بقلم الشيخ عبد الصمد التجاني شيخ صوفية ايطاليا

 

الحمد لله الذي أبدع الخلق من نوره، وأظهر الأكوان من سره، وجعل سيدنا محمدًا ﷺ أول الموجودات وأصل الكائنات، نورًا ساطعًا من حضرة الجلال، ورحمةً مهداةً من بحر الكمال. والصلاة والسلام على من كان رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ففي الحقيقة أن المولد النبوي الشريف ليس مجرد ذكرى تاريخية لولادة جسدية في مكة المكرمة، بل هو عند أهل الله تجلٍّ دائم للحقيقة المحمدية التي سبقت جميع المخلوقات. إنّ نور النبي ﷺ هو أول ما صدر عن الحضرة الإلهية، وهو الأصل الذي منه انبثقت الأكوان. فقد خلق الله تعالى نوره من محبته، وجعله المرآة التي نظر فيها إلى ذاته في سرّ الغيب، فانبثق من ذلك النظر حبٌّ أوليٌّ غمر الصورة المحمدية، فجعلها الحبيب المختار والمصطفى من بين جميع الكائنات.

إنّ الكمالات التي أودعها الحق في الحقيقة المحمدية هي التي فجّرت ينابيع المحبة الإلهية، فصار النبي ﷺ محبوب الله قبل أن يوجد العالم، وبفضله ظهرت المخلوقات في فعل أزلي يتجدّد في كل لحظة. فوجودنا نفسه ليس إلا إشراقًا من ذلك النور، وتجديدًا لولادته في قلوبنا. ولهذا قال أهل المعرفة إنّ المولد يتكرر في كل آن، إذ يولد النبي في سرائر المؤمنين كلما تجلّى نوره فيهم، فيصبح وسيلة الحمد الذي يعود إلى الله عبر وجودنا.

إنّ الاحتفال بالمولد يعيدنا إلى أصلنا الباطني، إلى تلك اللحظة التي سبق فيها نور النبي كل شيء، ويجعلنا شركاء في المحبة الإلهية التي خصّه الله بها في سرّ الأزل. فكما أن البوصيري في بردته، والبرزنجي في مولده، ومحمّد مختار في مولد إنسان الكمال، قد أبرزوا هذه المعاني، كذلك نحن نحتفل اليوم لا بمجرد حدث تاريخي، بل بذكرى إشراق الحقيقة المحمدية التي هي سبب وجودنا ومعنى حياتنا.

المولد إذن هو عودة إلى الجذر الخفيّ لوجودنا، ومشاركة في الحبّ الأزلي الذي جعله الله تعالى أساس الخلق. إنّه مناسبة للتذكير بأنّ النبي ﷺ ليس فقط رسولًا جاء في زمن محدّد، بل هو الحقيقة الأولى التي بها قامت السماوات والأرض، وهو الوجه الذي تأمّل فيه الحق ذاته، فجعل منه مرآة الكمال ومظهر الجمال. ومن هنا، فإنّ الاحتفال بالمولد هو تجديد للعهد، وتأكيد على أنّ ولادته مستمرة فينا، وأنّنا بوجودنا نشارك في تسبيح الله وحمده عبر نوره الشريف.

 

ابيات في مدح خير البرية بمناسبة مولده 

وبمناسبة مولد الرسول صلي الله عليه وسلم نقول : يا نورًا سبق الأكوان وجودًا، يا رحمةً سبقت الغضب شهودًا، يا من بك تجلّى الحق جمالًا
يا من بك تزيّنت الأرواح كمالًا
صلّى الله عليك يا سيدنا محمد
عدد ما في علم الله من عدد
وعلى آلك وصحبك الأبرار
في كل لحظة ونفس، ما تعاقب الليل والنهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى